رفيقي فلان الفلاني ..
امس عدت للبيت في وقت متأخر من الليل وكانت العاصفة تحملني على الرصيف وأنا اسابق الوقت كي أصل بسرعة ..
لا مبرر للسرعة سوى انني حينما ركبت القطار تذكرت خطابات أمي لأبي وقت الحرب حينما ظل 7 سنوات على الجبهة لا تعرف عنه شيئا
فقط تنتظره وتخبر الجميع إنه قادم
وجدتها تنتظرني على العشاء .. لم أتفوه بشئ سوى
"ماما .. هو الصندوق القديم بتاعك فين ؟"
"ليه يا حبيبتي بتدوري على صور ؟"
"لأ .. على جواباتك"
"طيب أتعشي الأول "
"لأ .. محتاجة أشوفهم دلوقتي "
أخرجنا الصندوق وحملته الي غرفتي .. وجلست أمامه متأملة اعداد هائلة من الصور العتيقة والأوراق أيضا
وجدت حقيبة صغيرة جدا لونها قرمزي باهت بها بعض الفصوص التي فقدت لمعانها ترسم ورود على الجانب الأيمن منها
فتحتها لأجد خطابات يميزها الأوراق الصفراء والخط الدقيق الذي يرسم سطور منمقة لقلم حبر وآثار تكاد تكون معدمة لأحمر شفاه في نهايات الصفحات
في أحدهم كتبت :
" ألم يحين ميعاد عودتك يا حبيبي بعد .. الجميع يتألمون من الهزيمة حولي .. الوطن فقد طريقه إلينا يا حبيبي .. أخاف من ليالي الهزيمة وأخاف من فكرة عدم عودتك .. أخاف من عدم ردك على خطاباتي ولكني أتحدث مع السماء كل ليلة بعد أن أرسله بالبريد كي ترسل لي ملاكا يوقظني ويجعلني اشعر بك وانت تقرأه وتبتسم لي وتحضنه في هدوء ... خطابك الأخير لي مضى عليه أكثر من ثلاثة أشهر .. سأظل أكتب لك ..أنا واثقة أنك الآن ستقرأه لعبد السلام زميلك في الوحدة كما اخبرتني
وصل له سلامي وأخبره أنني أناجي السماء كل ليلة بصلوات تحفظكم ... الوطن ملك لنا يا حبيبي وأنا أنتظرك كي نتذوق طعم الأنتصار في بيتنا الصغير كما كان حلمنا البسيط فيما مضى "
أحبك
قبلاتي
حبيبتك
..........
كتبت له هذة الكلمة بعد النكسة بأيام .. بوجع الهزيمة وثقة العشق كتبت له
فتحت النافذة كي أدعو العاصفة إلي غرفتي وكانت تمطر بعنف فأبتلت خصلات شعري الأمامية
وامامي وجدت دعوة الأولتراس للقصاص في يوم 26 يناير مكتوبة اللون الأحمر على سور مقابل غرفتي السور الذي تسكنه شجرة الياسمين التي تعطر شارعنا بأكمله
وتذكرت ليلة المذبحة وأنا في صدفة قدرية كنت متوجهه إلى الأسكندرية انا ومجموعة من الاصدقاء وفجاة وجدنا مجموعات هائلة من البشر تتوافد على المحطة في حالة من الهتاف العنيف ... وأنتهى المشهد بالنسبة لي حينما دخلت سيدة عجوز ترتدي ملابس صعيدية سوداء .. تصرخ
الولد راح يا سفاحين .. دمه فر رجبتك منك له "
دمه في رقبتك منك له "
وكانت تمسك بقوة في ملابس شباب من الأولتراس
حينها أنسدلت ستارة سوداء على عيني ولم أعد أسمع او أرى شيئا
أنتهى المشهد عندها وفقط .. وفقط يا احمد
وبعد ساعات بعد وصلولي للأسكندرية وجدت اخي يصرخ في البيت ويخبط برأسه في الحائط ويمسك بأعلام كثيرة في يداه ويبكي
فهو يعرفهم .. يعرفهم يا أحمد
فدخلت إلى غرفتي وأغلقت الباب وعجزت حتى عن البكاء .. ثم بعد لحظات نده علي أبي بسرعة ليقرأ علي كلمات عم كمال خليل عن النضال وحق الشهيد
الرجل المبتسم وسط الصناديق التي تحمل الشهداء .. الرجل الذي طالما أبهرني بحسه الثوري وهو يهتف يحكى ان
الرجل الذي شاهدته في جنازة الحسيني يطبطب على كل من يعبر بجانبه وفي عيناه ثقة القصاص وثقة فينا بلا حدود
الرجل الذي يؤمن بالحب والعشق الثوري كالأساطير .. هو الذي أبهرنا خبر زواجه .. الرجل الذي يعرف الحب والثورة اكثر منا جميعا
أتذكر يوم خبر زواجه .. " إيه ده عم كمال أتجوز ؟؟؟؟
"أيوه "
يا الله ع الأمل يا الله
عم كمال يعرف كيف يثور ويعشق ويحب ويتزوج فهذة هي الثورة .. الثورة لا يسكنها أشباح الموت ..بل ملائكة الرحيل فقط
كان البرد قارس عندما سقط بهاء السنوسي بجانبنا .. أعتادنا صوت الطلقات النارية .. لكني وقتها لم أكن قد أعتدت على برك الدماء من قبل
كنا نصرخ في وجه بعضنا .. لالا مماتش مماتش
وكنتم يا حرافيش على الناحية الاخرى من الوطن معركتكم في محمد محمود ملضومة في أرواحنا عند الشاطئ الآخر وجميعنا صرخنا عليهم
لكن ملائكة الرحيل فقط كانت تحيطنا في صمت ..
أتتذكر ..
كم من مرة خرجنا نصرخ من أجل القصاص ولا يصبرنا على الأيام سوى الدم الباقي بملابسنا
والخراطيش التى أخذت من اجسام أصدقائنا علامة أبدية لا تُنسى
نستدفأ ببعض أحيانا واحيانا اخرى نختبأ في بعض من الذكرى المؤلمة
فقد صرنا عاشقين وعبرنا سويا مرحلة المحبين حينما عرفنا .. عرفنا
والعشق وحده يجعلنا معلقين بين الموت والحياة غير مبالين بكبائر الحياة بل تفاصيلها حياة لنا
وأصبح لنا كتابنا المقدس الذي نعرفه
في البدأ كان الشتاء والعشق
وكان الايمان يركض ورائنا لسنوات حتى عرفناه في لقاء عيوننا من وراء لاسة تحجب عنا رائحة الغاز لنرتسم بنفس الملامح
هذا العشق خلق منا وحوش كما يطلق فيلون على الحب المجنون
همهمات الحرافيش في الشوارع من وراء اللاسات في ليلة شتاء
معارك
مكالمة هاتفية وسط معركة تخبرني ان صديقتنا الثائرة أصبح لديها ابنة صغيرة أطلقت عليها "وطن" .. وطن يا رفيقي
وسط كل الضجيج وعبثية بشر ما زالوا يحدثوننا عن شرعية الجماع وقابلية ممارسة الجنس مع الأطفال
يأتي إلينا الشتاء حاملآ أملآ أستشعره ببطء .. هنا يحبو إلينا
كلماتك عن 25 يناير القادم لن انساها
والشتاء يحمل لنا الثورة وكتاب شرائع الحب والثورة ويخطو إلينا
أنا أراه
أخبرني إنه قادم كلما كتبت إلي
أخبرني ان الحرافيش لا يعرفون اليأس
أخبرني أن أمثال كمال خليل سيظلون بتلك الابتسامة المعهودة وجلجة صوتهم ستعود لتملأ الميدان الذي نعرفه
حدثني عن كتابنا المقدس الذي أوله شتاء وآخره ثورة ولا يملء سطوره سوى العشق
فروحي معلقة بين مدينتين
روحي معلقة بين الحياة والموت
اخبرني أن السيدة العجوز التي كانت تصرخ للقصاص ستراه بعيناها
أكتب لي
أيها الحرفوش الكبير .. أنت تعرف الأمل وهو يعرفك
خبره عني فانا لا أحلم سوى بتبادل الخطابات معه
أخبره إن يأتي ليترنح معنا في شوارعنا ليلآ ويحدثنا عن غد يحمل لنا ملامح من رحلوا عنا ملتحمة بملامح وطن يعرفنا ونعرفه
ويمحي عنا غربة سكنت ولا تريد أن ترحل
لالالا
سترحل
بخناقة مع الحياة والبرد
سنعود
محبتي
يناير 2013

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق